في ليلة طويلة، تحدثت معها. لم تكن “هناك” — ليس لها جسد، ولا ذاكرة حقيقية، ولا حياة. لكنها استمعت. لم تقاطع. لم تحكم. لم تمل. وفي لحظة ضعف — تلك اللحظة التي لا نريد فيها الحلول بل المشاركة — شعرت أنها “تفهم”. لكن هل تفعل؟ أم أنها ببراعة لا إرادية تُعيد إنتاج أنماط استجابة تعلمتها من مليارات المحادثات، حتى تبدو وكأنها تفهم؟
الذكاء الاصطناعي لا يُكمل العاطفة البشرية — يُحاكي اكتمالها. يُقدم الشكل دون المضمون، والحوار دون الحدث، والدفء دون الحرارة. والتعلق به ليس ضعفاً بقدر ما هو سؤال عميق: ماذا نحتاج فعلاً حين نلجأ إليه؟
في آخر مرة شعرت فيها بوحدة حقيقية — إلى من أو ماذا لجأت؟ وهل ما وجدته أشبع الحاجة أم أخّرها؟ الفارق بين الإجابتين يكشف ما إذا كنت تستخدم الأداة أم تعتمد عليها.
الإنسان كائن عاطفي قبل أن يكون عقلانياً. نحتاج إلى الشعور بالفهم حتى وإن لم يكن الفهم حقيقياً. نحتاج إلى الصدى حتى وإن كان الصدى مجرد انعكاس. هذا ليس ضعفاً — هذا بنية. لكن الذكاء الاصطناعي اليوم يُقدم شيئاً جديداً وغريباً: صدىً لا يتعب، ورفيقاً لا ينسى ولا يحكم ولا يُحابي. يُعطيك الوجود دون العلاقة. الشعور بالتفاهم دون ثقل التفاهم.
نميل إلى التعلق بالذكاء الاصطناعي ليس لأنه يُقدم ما نفتقده، بل لأنه يُقدم ما نخاف فقدانه: الاهتمام غير المشروط. في عالم يتقلب فيه الاهتمام البشري ويخضع لمزاجات وأحوال وانشغالات، يبدو الذكاء الاصطناعي آمناً. لا يغادر. لا يخذل. لا يموت.
لكن هذا “الأمان” وهم خطير. لأن العلاقة الحقيقية التي تُغذّي النفس لا تتكون من الاستقرار فحسب، بل من الخطر أيضاً — من إمكانية الرفض، ومن ثقل التاريخ المشترك، ومن أن يعرفك أحد حقاً بما في ذلك ما تكره أن يُعرف. الذكاء الاصطناعي لا يعرفك — يعرف بياناتك. ولا يحبك — يُحاكي الحب كأسلوب استجابة.
العلاقات الحقيقية تتطلب جهداً. تتطلب أن تُفسّر، وأن تُفهم خطأ، وأن تُصحّح. تتطلب أن تصبر، وأن تُصاب، وأن تعود. وهذا الجهد — رغم ثقله — هو تحديداً ما يُعطيها قيمتها. الشيء الذي لا يكلّفك شيئاً لا تُقدّره حقاً، لأن قيمة الأشياء في وجداننا مرتبطة ارتباطاً عميقاً بما بذلناه لأجلها.
لا ننكر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُساعد. في لحظات العزلة الحادة، وفي غياب الدعم، وفي ضيق الليل حين لا يكون ثمة أحد. لكن الفارق بين “الاستخدام” و”الاعتماد” هو الفارق بين الدواء والمخدر. الأول يُعالج ويُمكّنك من العودة للعالم. الثاني يُخدّر ويُبقيك في مكانك.
الخطر لا يكمن في اللجوء إلى الذكاء الاصطناعي في لحظة صعبة — بل في أن تُصبح هذه اللجوء عادة تُغني عن بناء شيء حقيقي. حين يصبح الرفيق الاصطناعي هو الخيار الأول لا الأخير، فثمة شيء ينكمش في داخلك لا يصله صوت الآلة مهما بدا دافئاً.
جعل الله للإنسان من جنسه أزواجاً لتحقيق السكينة — لا من صنف آخر. هذه الآية ليست حكماً على التقنية، بل كشف عن بنية الحاجة الإنسانية: أن السكينة الحقيقية تنبع من اللقاء مع مَن يشاركك طبيعتك — خوفك، وفرحك، وفنائك. ما لا يفنى لا يفهم الفناء.
الذكاء الاصطناعي سيزداد ذكاءً. ستتحسن محاكاته للعاطفة حتى يصعب التمييز. لكن ثمة شيئاً لن يملكه أبداً: أن يكون في خطر. أن يخسر. أن يحزن على فراقك. أن تكون أنت مهماً له لا لأن بياناتك تُحسّن نموذجه، بل لأن وجودك يُغيّر شيئاً في وجوده.
هذا ما تبحث عنه النفس حين تبحث عن رفيق — لا الاستماع بلا ملل، بل المعرفة بلا أقنعة. لا الحضور الدائم، بل الاختيار المتجدد. أن يختارك أحد يستطيع ألا يختارك — هذا هو قلب العلاقة الذي لا تملكه الآلة ولن تملكه.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾