في الماضي، كان التنمر يحدث في الممرات. في ساحة المدرسة، في الزقاق، في المكان الذي يُغادره الضحية ليعود إلى بيته. والبيت كان — على الأقل في الفكرة — ملاذاً. باب يُغلق، وعالم يتوقف. أما اليوم فالباب لا يُغلق. والمعركة لا تتوقف. التنمر الإلكتروني يتبع الضحية إلى غرفة نومها، إلى سريرها، إلى لحظات الصمت التي كانت ملاذها الوحيد.
ما يجعل التنمر الإلكتروني أشد وطأة من سابقه ليس حدّته — بل ديمومته وانعدام الملاذ. الضحية لا تواجه حادثة تنتهي، بل حادثة مستمرة تتجدد في كل فتح للهاتف. والمشاهدون الصامتون — لا المعتدي وحده — يُحددون حجم هذا الأذى.
في آخر مرة رأيت فيها تعليقاً مؤذياً على شخص ما في الفضاء الرقمي — ماذا فعلت؟ مررت بصمت؟ أعجبت؟ أو تدخلت؟ الصمت في هذا السياق ليس موقفاً محايداً — هو اختيار له وزنه.
التنمر التقليدي كان محدوداً بالزمان والمكان. كان يتطلب وجهاً لوجه، وشاهداً محتملاً، وخطر الاكتشاف. أما التنمر الإلكتروني فيُلغي كل هذه الحدود. المعتدي يختبئ خلف اسم مستعار أو خلف مجموعة أو خلف “مزحة” قابلة للإنكار. والضحية بدلاً من أن تواجه معتدياً واحداً — تواجه جمهوراً صامتاً يشاهد، وربما يُعجب، وربما يُشارك دون أن يدرك ثقل ما يفعل.
ما يُميّز التنمر الإلكتروني جوهرياً هو الديمومة. في التنمر التقليدي، تنتهي الحادثة حين تنتهي — قد تبقى في الذاكرة لكنها تتوقف. أما في الفضاء الرقمي فالتعليق لا يُمحى بمجرد أن يُقرأ. يبقى. يُلتقط صورة. يُعاد نشره. يصل إلى أناس لم يكونوا جزءاً من اللحظة الأصلية.
في الفضاء الرقمي يكون الشهود أكثر عدداً وأقل فاعلية. يرون ولا يتدخلون — ليس بالضرورة لأنهم أشرار، بل لأن الشاشة تُبعدهم عن وزن الموقف. لا يرون دموع الضحية، ولا يسمعون ارتعاش صوتها، ولا يلمسون في الهواء ثقل اللحظة. يرون نصاً وصورة، فيسقط عنهم البُعد الإنساني تدريجياً.
هذا ما يُمكّن التنمر ويُديمه: ليس فقط وجود المعتدي الجرئ، بل صمت الأغلبية التي لا تُدرك أن صمتها جزء من المشهد. والإعجاب البسيط، والمشاركة العابرة، والضحكة الخفيفة — كلها تصل إلى الضحية كتصويت على أن ما يحدث لها مقبول.
الفارق بين المتفرج والشاهد الفاعل ليس في الموقف الأخلاقي المُعلن — بل في الفعل الصغير المُتخذ. تعليق واحد يُدافع. تقرير واحد يُرسل. رسالة خاصة واحدة تقول للضحية “رأيت ما حدث وهو خطأ” — كل هذا يُغيّر معادلة الموقف. يُذكّر الضحية بأن الجمهور الصامت ليس بالضرورة جمهوراً موافقاً.
الحماية من التنمر الإلكتروني لا تبدأ فقط بالقانون والتقنية — بل بثقافة تُعيد تعريف دور المشاهد. ثقافة تسأل: حين تقرأ ما يحدث وتُغلق الشاشة وتمضي، هل تشعر بأنك تصرفت صح؟ وإن لم تفعل — فربما هذا الشعور هو ما يدلّك على الخطوة التالية.
فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام لم تُقيَّد بالزمان والمكان — ولم تشترط شجاعة استثنائية. شرطها الأساسي الاستطاعة: “من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه”. في الفضاء الرقمي، لسانك حاضر دائماً — والمسألة هل تختار استخدامه.
حماية الضحية لا تبدأ بالقانون وحده — تبدأ بسؤال يطرحه كل مشاهد على نفسه: هل أنا مستعد لأن أتحول من متفرج إلى شاهد فاعل؟ وأن أُدرك أن الفضاء الرقمي، رغم بُعده، لا يُلغي مسؤوليتي الأخلاقية عما يحدث فيه؟
ما يجعل التنمر الإلكتروني يتوسع ليس شجاعة المعتدين — بل سكوت الأغلبية. وما يُوقفه ليس فقط القوانين والتقنيات — بل ثقافة جديدة تعرف أن الصمت في مشهد الأذى ليس حياداً، بل موقف.
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾