في لحظة الوفاة، يتوقف الجسد عن النبض. لكن الشاشات لا تنطفئ. الحسابات تظل نابضة بالحياة الافتراضية. الصور القديمة تستقبل الإعجابات، والمنشورات تُشارك في غفلة من صاحبها. والخوارزمية —التي لا تفقه شيئاً عن الموت— تستمر ببرود آلي في تقديمك كـ “مستخدم نشط” لمن يبحث عنك. هذا هو الموت الرقمي؛ ليس نهاية لوجودك، بل تحولاً مرعباً له. انتقال من كائن يمتلك الإرادة ويختار، إلى حزمة بيانات تُختار وتُباع. من إنسان يملك ذاكرته الحية، إلى أرشيف صامت يملكه آخرون.
في الماضي القريب، كان الموت يحمل معه نهاية قاطعة ومريحة في وضوحها: الجسد يُدفن، الممتلكات تُقسم، والذكريات تنتقل شفهياً بين المحبين ثم تتلاشى بهدوء مع تعاقب الأجيال. أما اليوم، فالموت يحمل استمراراً غامضاً ومُربكاً. صفحتك على فيسبوك تتحول تلقائياً إلى “صفحة تذكارية”. حسابك على إنستغرام يبقى مشرعاً للناظرين. رسائلك الصوتية والنصية في واتساب تبقى محفوظة، قابلة للاستدعاء في هواتف الآخرين.
وهذا الاستمرار السيبراني ليس “حياة” بأي معيار فلسفي. هو تعليق وجودي (Suspension). وجود أعمى بلا وعي، وحضور مفرغ من أي إرادة. والأخطر من ذلك: أن هذا الوجود المُعلّق يُصبح، بمرور الوقت، هو “الحقيقة المطلقة” عنك. فالأشخاص الذين لم يتسنَّ لهم معرفتك، سيتعرفون عليك من خلال واجهة لا تتحرك، منشورات لا تنضج، وصور لا تتقدم أبداً في العمر.
السؤال القانوني الجاف —من يملك البيانات بعد الموت؟— يُخفي تحته سؤالاً وجودياً أشد عمقاً وقسوة: من يملك الذاكرة؟
الموت الرقمي يمارس أبشع أنواع التفكيك؛ إنه يُفكك “الشخص” إلى شظايا بيانات يتقاسمها من بقي على قيد الاتصال. وهذا التفكيك ليس مجرد تقسيم مادي لتركة؛ بل هو تفكيك وجودي لروحك. فحين تُوزع صورتك بين منصات متباينة، وتُشتت رسائلك بين هواتف عشوائية، وتُسجن ذكرياتك في خوادم باردة، لا يبقى “أنت” ككل متماسك. لا يتبقى سوى أثر رقمي مبعثر بلا حارس.
الرثاء في العصور السابقة كان طقساً جماعياً محكوماً بالزمن: يجتمع الناس، يتذكرون الميت، يبكونه، يضحكون لمآثره، ثم يُغلقون باب العزاء ليعودوا إلى الحياة. أما الرثاء الرقمي فهو سرادق عزاء مفتوح إلى الأبد. يمكنك أن تكتب تعليقاً على صفحة المتوفى بعد عام من رحيله. أن تُعيد نشر صورته بعد عقد كامل. أن تُرسل له رسالة في صندوق بريده وأنت توقن أن أحداً لن يقرأها.
هذا الاستمرار الخوارزمي —رغم ما يُسبغه من وهم “الحضور”— يغتال إحدى أهم الوظائف السيكولوجية للموت: (الإغلاق الوجداني). فالإغلاق لا يعني الخيانة أو النسيان؛ بل يعني السماح للحي بأن يحيا. والموت الرقمي، باستمراره المفتوح والمُلح، يرفض منح الأحياء بطاقة عبور نحو التعافي.
الموت الرقمي ليس عطلاً تقنياً يحتاج إلى تحديث برمجي لحله؛ إنه يحتاج إلى “قرار وجودي” صارم. أن نقرر نحن —ونحن في كامل وعينا وأحياء— ما الذي نريده لوجودنا الرقمي بعد أن يغيب الجسد. أن نتحلى بالشجاعة لنختار بين “الاستمرار المُعلّق” وبين “الانتهاء الكريم”. وأن نُدرك يقيناً أن “البقاء” كبيانات، ليس دائماً نوعاً من الرحمة.
فالذاكرة الحقيقية لا تسكن في برودة الخوادم، بل تحيا في دفء من عاش معنا. والوجود الإنساني الأصيل لا يُقاس بالجيجابايت أو أعداد المتابعين، بل يُقاس بعمق الأثر الذي نقشه عبورنا في أرواح من بقي بعدنا.
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾